الجصاص

217

الفصول في الأصول

ولم يكن فعله عبارة عن إرادته ذلك منا ، ولا كان في ظاهره ما يدل عليه ، لم يجز لنا فعله على وجه الإيجاب ، مع فقد العلم بأنه يريد ذلك منا ، فلا يكون فعلنا له على هذا الوجه طاعة ، ولا اتباعا له ، ولأنا متى أقدمنا على ذلك فقد قضينا بأنه مريد منا ذلك ، وغير جائز لنا إثبات إرادته لذلك إلا بنص أو دلالة ، وظهور فعله لا يدل عليها ، أو قد يفعل هو في نفسه فعلا ولا يريد منا مثله ، فإذا ليس وجود فعله على أنه واجب مع عدم العلم به ، وليس ظهور الفعل منه على هذا الوجه كظهور أمره في دلالته على إرادته منا ، لأنه لا يأمرنا بشئ إلا وقد أراد منا فعله . فظاهر الأمر يقتضى إرادة المأمور منا . فلذلك اختلفا . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون ما استدللت به من الآي هو الدلالة على وجوب فعله علينا ، لأنه حين أمرنا باتباعه ، فقد أمرنا بأن نفعل مثل فعله ، إذ كان المعقول من لفظ الاتباع ، أن نفعل مثل ما فعل . قيل : لا يخلو شرط الاتباع : من أن يكون إيقاع الفعل في ظاهره على حسب ما أوقعه ، من غير أن يكون معلقا بإرادته ذلك منا ، أو أن نفعله على حسب ما يريده منا ، ومتى فعله في صورته من غير تعلقه بإرادته إياه منا ، لكنا متبعين إذا نهانا عنه ، وفعله هو في نفسه ، ففعلنا مثل فعله لوجود مثله في صورته منا ، ولو كان كذلك لكنا مطيعين له بذلك ، لأن متبع النبي عليه السلام لابد من أن يكون مطيعا له : فكان يجب أن يكون مطيعا عاصيا ، فلما بطل هذا علمنا : أن شرط اتباعه في فعله : أن نوقعه على الوجه الذي أوقع عليه وأراده منا ، فلما لم يك ظاهر فعله دلالة على الوجه الذي أوقعه عليه ، ولا على أنه قد أراد منا ذلك ( 1 ) لم يجز لنا إيقاعه على جهة الإيجاب ، مع فقد العلم منا بالوجه الذي أوقعه عليه . وأيضا : فمعلوم أنه إن كان فعله على وجه الإباحة والندب ثم فعلناه نحن على وجه الوجوب - لم نكن متبعين له ، لأن شرط الاتباع إيقاعه على الوجه الذي أوقعه عليه ، ومتى خالفناه في هذا الوجه خرجنا من حد الاتباع . ألا ترى أن من فعل فعلا ففعل غيره مثله على وجه المعارضة له والمضاهات لفعله قاصد المعارضة ( 2 ) ومباراته ، لم يكن متبعا له ، وإن كان قد أوقع فعلا مثل فعله في الظاهر .